الغول والعنقاء.. ومحمد صلاح
الغول والعنقاء.. ومحمد صلاح

لسنوات طويلة ظننا أن وصول أحد اللاعبين المصريين لمصاف نجوم الصف الأول عالميًا أمرًا مستحيلًا، وربما كنا نقابل توقعات البعض بمناطحة أحد النجوم المصريين لنجوم مثل رونالدو، ميسي ونيمار بضحكات ساخرة شبيهة بتلك التي نصدرها عند سماع إحدى النكات "البايخة" من وقت إلى آخر.

وحتى مع تألق بعض النجوم المصريين في أندية كبرى مثل أحمد حسام "ميدو" ومحمد زيدان مثلاً، كان لدينا يقينًا أن هناك حدًا لذلك التألق، لن يتجاوزه أي نجم مصري لأسباب إما تتعلق بالموهبة، أو بعقلية اللاعب المصري المحترف في الأراضي الأوروبية.

فقط حدوث معجزة أو خروج بطل بإمكانيات أسطورية غير واقعية، كان الشيء الوحيد الذي سيقنع الجماهير المصرية بالإيمان بقدرة لاعب مصري على الوصول لمصاف نجوم الصف الأول عالميًا، وبمنحهم القدرة على "التجرؤ" لمقارنة أحد أبناء بلدهم بنجوم حصدوا جوائز بقيمة الكرة الذهبية وقادوا منتخبات بلادهم للتتويج بكأس العالم وكأس الأمم الأوروبية.

جاء الشاب المصري محمد صلاح ليحطم تلك الصورة "المستحيلة"، وليرفع طموحات المصريين إلى عنان السماء، بالتقدم بثبات منذ موسمه الاحترافي الأول بقميص بازل السويسري وحتى أعلى درجات المجد بقميص ليفربول الإنجليزي.

إذا كانت المستحيلات الثلاثة في القصص الأسطورية هي "الغول والعنقاء والخل الوفي"، فإن الفنـان المصري محمد صلاح حقق ببساطة المستحيل الرابع، ووضع العلم المصري بجوار لقب هداف الدوري الإنجليزي الممتاز مع اقتراب منتصف الموسم، واقترب من منح مصر فرصة استعادة جائزة أفضل لاعب أفريقي بعد غياب طويل امتد لـ 34 عامًا، منذ تحقيق أسطورة الأهلي محمود الخطيب للقب الأول والأخير في تاريخ الكرة المصرية.

صلاح الذي تحول إلى "ماكينة" ألقاب وأرقام قياسية قدم درسًا تاريخيًا لكيفية تجاهل كل شيء وأي شيء في سبيل هدف وحيد، هو التطور في كل يوم، فبعد انتقادات بافتقاد الشخصية المناسبة فرض نفسه كنجم أول وقائد حقيقي في أكبر أندية العالم، ومنها إلى انتقادت جديدة بافتقاد المهارة الفردية والاعتماد على السرعة، تجاوزها أيضًا بكل براعة بتقديم مجموعة من أروع الفنون الكروية، قبل أن يتجاوز آخر الانتقادات بافتقاد الحساسية التهديفية أمام المرمى، ليصل إلى رقم لم يحلم به أشد المتفائلين من محبيه في مطلع الموسم، بتسجيل 19 هدفًا في مختلف المسابقات، منها 13 هدفًا في 16 مباراة فقط بالدوري الإنجليزي الممتاز.

أصبح مشهد احتضان الفنـان المصري للجوائز وتتويجه بالألقاب مشهدًا معتادًا يتكرر دون ملل في الموسم الحالي، فمن أصل أربعة أشهر مرت من عمر الموسم فاز صلاح عمليًا بجائزة أفضل لاعب في ليفربول في ثلاث منها، وواقعيًا بالأربعة جميعًا، حيث منحت جماهير ليفربول الجائزة في شهر أكتوبر للمدافع الكرواتي ديان لوفرين بدلًا من نجم الفراعنة كدعم معنوي بسبب الضغوط الواقعة عليه لتراجع مستواه.

وتُوج صلاح بلقب لاعب الجولة في دور المجموعات لدوري أبطال أوروبا مرتين من أصل ست مرات، قبل أن يختتم العام بجائزة أفضل لاعب أفريقي من هيئة الإذاعة البريطانية "BBC"، لتعود الجائزة إلى مصر بعد غياب 9 سنوات.

الآن أصبحنا نتحدث بكل ثقة ودون خجل عن احتمالات انضمام محمد صلاح لفريق ريال مدريد الإسباني، وأصبحنا نقارن بواقعية شديدة بين أفضلية تواجده في ريال مدريد أو برشلونة أو مانشستر يونايتد، فكل العالم أصبح يتمنى صلاح، وأعتى الفرق على سطح الأرض أصبح الفنـان المصري يمثل إضافة حقيقية لتشكيلتها على أرض الملعب.

صلاح قدم لنا وللعالم درسًا عمليًا بأن تحقيق الأحلام مهما بدت مستحيلة لا يحتاج إلى قدرات خارقة، لا يحتاج أن تمتلك القدرة على الطيران في الهواء أو إخراج ألسنة اللهب من فمك، فقط يحتاج لعوامل يمتلكها كل منا، يحتاج للإيمان بقدراتك، يحتاج لتجاهل الانتقادات الهدامة، وللاهتمام بالانتقادات البناءة للعمل على التطور، يحتاج للإخلاص وقبل ذلك الالتزام، هكذا فعل صلاح "المستحيل" بأدوات "واقعية".

المصدر : يالا كورة