زوجة واحدة هل تكفي
زوجة واحدة هل تكفي

المناداة بالتعدد لغرض تقليل نسبة العنوسة هي تسطيح للقضية، واستغفال لعقول الناس، وتوظيف أوضاع المجتمع للمصلحة الشخصية بطريقة انتهازية فجة

أظهرت دراسة أجريت في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث في أبريل 2015، أن الرجال المعددين للزوجات كانوا أكثر عرضة لمشاكل القلب بمعدل أربعة أضعاف.

وفي مؤتمر أطباء القلب في آسيا عام 2015 قــال العالم العربي أمين دوالة أن خطورة إصابة الرجل بأمراض القلب والأوعية الدموية مرتبطة بالأعباء المالية والنفسية الخاصة بتوفير مستلزمات احتياجات عدة أسر.
قضية التعدد شائكة، يكثر فيها النقاش السطحي، ويقل الجانب العميق الرصين. وحين تطرح هذه القضية على السطح يظن البعض أنك تعارض مسألة محسومة شرعاً متناسين أن الإسلام، الذي أقر المبدأ، أحاطه بسياج من الضوابط الأشبه بالمستحيلة، وأكد ذلك بالوعيد للمخالف بأن يأتي يوم القيامة وأحد شقيه ساقط لعدم العدل.

والسؤال: من الذي يستطيع العدل بشكل يومي، بل في كل ساعة وكل تسوق وكل نفقة، أليست هذه دوامة تجعل المعدّد أقرب للأمراض القلبية والعقلية والنفسية، وإذا كان أحدنا قد لا يستطيع العدل بين أولاده، فلذات كبده، فكيف له العدل بين نسوان!

شُرع التعدد لحل مشاكل خاصة، ولا يعني هذا أنّ له جانب استحباب أو أفضلية، ولا حتى لكثرة النسل الذي ثبت عملياً عدم صحته. فوفقا لدراسة أُجريت من قبل عالم الأحياء مايكل ويد في جامعة إنديانا بلومنغتون، فإنه كلما كان عدد زوجات الرجل أكثر، قل عدد الأطفال الذين تنجبهم كل زوجة، لأنهم سيتوزعون على الزوجات (أي بدلا من أن تنجب لك الزوجة الواحدة أربعة أطفال، تنجب الزوجتان طفلين لكل منهما).

السبب الثاني، والذي يتكئ عليه دعاة التعدد كثيرا، هو دعوى حل قضية العنوسة بين النساء غير أنهم غفلوا أن العنوسة أيضا موجودة في أوساط الشباب، وليست محصورة في النساء، الأمر الذي يشير إلى أن القدرة المادية هي السبب الرئيس.

وإذا كانت الإمكانات المادية هي لب القضية ومدارها فإن الحل يكمن في معالجة تكاليف الزواج الباهظة، وإيجاد حلول للبطالة بين الشباب والفتيات من جانب آخر.

إن المناداة بالتعدد لغرض تقليل نسبة العنوسة هي تسطيح للقضية، واستغفال لعقول الناس، وتوظيف أوضاع المجتمع للمصلحة الشخصية بطريقة انتهازية فجة، ثم هل نرى ذلك المعدد الهمام يختار عانساً، أم أنه في الواقع ينتقي «عشرينية»، وربما قاصرة! والأجدر بمن تقلقه قضية العنوسة ولديه مصداقية أن يتقدم، مشكورا، بالدعم المادي لتزويج شاب بفتاة، وبالتالي يقضي على حالتي عنوسة!

يُضيف المنادون إلى التعدد سبباً ثالثاً، وهو أن تعداد النساء أكثر من الرجال في المجتمعات، وهذا القول غير دقيق البتة، ولا يستند إلى مرجعية، بل هو مجاف للإحصاءات الدقيقة المحلية منها والعالمية أيضا. يُشير موقع الهيئة العامة للإحصاء السعودية أن الذكور أكثر من الإناث، ففي تقريرها لعام 2010 نرى تفوق عدد الذكور بأكثر من 500 ألف شخص، وكذلك في إحصائية عام 1992، ناف الذكور على النساء بنسبة 51 ‪ %‬ مقابل ‪.% 49‪

في مصر، هناك الإحصائية الرسمية لجهاز التعبئة والإحصاء تسجل تفوقا لعدد الذكور بنسبة‪ % 51,1 ‬ مقابل 48,9 %.

وعلى المستوى العالمي نجد الرجال أكثر من النساء عدداً، ففي تقرير الأمم المتحدة لأكتوبر 2015، زاد عدد الرجال بنسبة 62 % ‬. وفي تقرير 2014 لذات المنظمة كان عدد الرجال على الكرة الأرضية يفوق النساء بـ 85 مليون رجل!

مع الإشارة إلى أن مواليد الإناث أكثر في بعض الفترات إلا أن القدرة على تحمل الأمراض ومسببات الموت عند الذكور تعوض الفارق، بحسب نفس المصدر.

المجتمعات الخليجية ذكورية بطبيعة الحال، فبحسب إحصاءات عالمية أُجريت في 2014 وتداولتها الصحف، حصدت دول الخليج المراكز الستة الأولى في قائمة أكثر دول العالم التي يزداد فيها عدد الرجال على النساء. حصلت الإمارات وقطر على المركزين الأولين بالضعف، أي رجلان مقابل امرأة واحدة. واحتلت السعودية المرتبة السادسة بنسبة 1‪,‬18 رجل لكل امرأة.

عربياً، يشير التقرير الآنف الذكر إلى أن النساء أكثر من الرجال في 4 دول عربية فقط، وهي جيبوتي ثم موريتانيا ولبنان، وأخيراً جزر القمر.

الإحصاءات المذكورة هنا موجودة وموثقة على الشبكة العنكبوتية للأجهزة الحكومية والهيئات الرسمية، والسؤال الآن؛ من أين افترى هؤلاء شائعة (النساء أكثر من الرجال)؟!

وبالنظر إلى الحالة من جانب الأسرة، فإن العداء والتحاسد والتنافس بين الزوجات يؤدي إلى تنغيص الحياة الزوجية، وقد ينتقل هذا العداء إلى أولاد الزوجات، فينشؤون على البغضاء، مما يؤدي إلى متاعب للأسرة وللأب خاصة.

يقول الدكتور مصطفى السباعي في كتابه (هكذا علمتني الحياة): أقوى الناس على تحمل المتاعب من يتزوج اثنتين.

كبار المصلحين الإسلاميين المتقدمين والمعاصرين دعوا إلى تقييد التعدد أو تركه، وطلـب من بعضهم بمنعه في بعض الأحوال. فقد نُقل عن الفقيه الصيمري في كتاب «المجموع شرح المهذب»: إلا أن المستحب ألا يزيد على واحدة، لاسيما في زماننا هذا.

فإذا كان هذا في زمان الصيمري الذي عاش في القرنين الرابع والخامس الهجريين؛ فكيف بزماننا هذا الذي يجدر بالمتغيرات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية وحتى السكانية أن تكون محل نظر.
ومما قاله الشيخ محمد عبده «من حق الحاكم أن يقيّد هذه الرخصة أو يمنعها تماما لأسباب ضرورية جدا بالنسبة للدولة».

وصـَرح الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في «الشرح الممتع على زاد المستقنع» «الاقتصار على الواحدة أسلم‫…»،‬ وإذا كان التعدد مشكلة فكيف يكون حلا لمشكلة. يتزوج بالثانية باحثا عن الدفء فيجد النار.

واللافت أن المقتدرين غالبيتهم لا يعدّدون، بينما يقع في فخ دعاة التعدد الفقراء ومتوسطو الحال.

نقلا عن “الوطن”

المصدر : المرصد