صدى المآذن: قراءة في كتاب "مآذن من بشر"
صدى المآذن: قراءة في كتاب "مآذن من بشر"

قضيت الأيام القليلة الغابرة مع هذا الكتاب الجميل متعة وفائدة، واسترددت فيه نفَسا إسلاميا افتقدت أثره في قلبي منذ مدة!

وأصله مقالات صحفية للمؤلفيْن الكريميْن، جُمعت لتخرج بين دفتي هذا الكتاب الفاتن، وهو على شقين يتفرد كل مؤلف منهما بشقٍّ منه، الأول للأستاذ خالد فهمي، والثاني للأستاذ أبي الحسن الجمال، وينفصل عن الشق الأول بعنوان (أعلام معاصرون في الأدب والفكر).

وعليه فإني لن أستطيع عرض فكرة مجملة عن الكتاب دون استحضار هذا الأمر، لئلا يُبخس المؤلفان حقهما بالاختزال والتقويم الناقص، ولأن كل شطر منهما له أسلوبه وروحه التي نُفخت فيه.

قبل كل شيء: الكتاب نمط مميز من التراجم، فهو مشحون بالرغبة في التعريف بأعلام لهم سهمتهم في حركة الإسلام والدعوة إليه والذب عنه، وخدمة الناس ونفعهم في إطاره.

ثم هو مدفوع بنفَس إسلامي واضح، ينزع إلى الحركية/التيارية في شقه الأول، وإلى العموم في شقه الثاني.

وهو متباين الأسلوب ظاهر التباين، بين نمط أدبي لساني مكثف جدا بحيث يحتاج القارئ إلى شيء من التفهم والتركيز في قراءة الترجمة في الشق الأول، ونمط آخر هو مزيج من الكتابة الصحفية والطراز الأدبي السهل الواضح، الذي يقدَّم إلى القارئ مشروحا في الشق الثاني، ويمتد هذا التباين الأسلوبي على امتداد مفاصل الكتاب، من عنوانات فصوله إلى ختام ترجماته مرورا بالعنوانات الفرعية للأبواب المنضوية تحت فصوله الكبرى.

الشطر الأول يغلب عليه العمق الأسلوبي والتكثيف والاقتضاب في الترجمات وجرعات غير قليلة من الشجن والعاطفة الأخاذة في سرد القصص والذكريات، مع كونه تقريريا في غير موضع بما يحمل في نفسه بذرة النظر والنقاش في صحة التقريرات ودقتها، ويذهب كاتبه إلى فحص منجزات العلَم واستخلاص ما يحتاج إلى تقديمه للقارئ خلاصات مركزة تنبيك عن الفكر الحاكم لهذا الشخص والباعث له على دوره في خدمة دينه فكريا وحركيا وجهاديا وكتابيا ونحو ذلك، مع استعراض فقري لشيء من المنجزات لكن التركيز الأكبر كان على بواعثها وخصائصها، وضخ للافكار والمناقشات والآراء التي يتبناها المؤلف الكريم في ثنايا تراجمه، فهي إذن ليست سردا محضا بل ترجمات تفاعلية إذا صح الوصف.

بينما تجد في الشطر الثاني نزوعا إلى السهولة الأسلوبية والسرد الترجميِّ الممتد بامتداد الخط الحيوي للشخص المترجم له، وجنوحا إلى التطويل على عكس سابقه، وهو أكثر تنوعا في اختصاصات الأسماء المطروحة مقارنة بالشطر الأول، وميلا إلى الاقتباس من المصادر التي سُطرت في ترجمة الأعلام عزوا إليها، والاستعراض التفصيلي الشمولي لمنجزات علمية وعملية منتقاة بحسب رؤية المؤلف، فتجده مثلا في عامة ترجماته يضع بين يديك كتابا بعينه مستعرضا لأفكاره وتقسيماته وخلاصات منه، وهكذا، مع طرح تساؤلات بينية ومناقشات عديدة وآراء للمؤلف الكريم، وفي ثناياه قصص وأشجان خلابة، كقصة كريمة شاهين مع زوجها نجيب الكيلاني.

يقع الكتاب في مئتين وأربع وعشرين صفحة، بمقدمة وفهرس ومضمون الكتاب.

لفتات:

- بناء على عنوان الكتاب، يكون أنيس منصور -المترجَم في شطر الكتاب الأول- مئذنة تعلوها نجمة اليهود! ففيها تنديد بشيء من أفكاره تطبيعا مع اليهود وترسيخا لثقافة الخرافة كما ذكر الأستاذ خالد.

- لغة الكتاب حلوة، وشكله مريح للعين وصفحاته خفيفة الثقل.

- لم يخل الكتاب من أغلاط لغوية (نحوية بالقدر الأعظم)، وهفوات كتابية وطباعية، وانتقال للنظر، رجح الشق الثاني بأكثرها، مع وجود قدر منها في الشق الأول.

وفي ترجمة عبدالصبور شاهين، وقع ذكر ترجمته لدراز ضمن مسرد ترجماته لمالك بن نبي، وفي ترجمة إبراهيم عبده، وقع مطلع ترجمة عبده الراجحي في ختام ترجمة عبدالعظيم المطعني!

وبعض الأخطاء راسلت بها الأستاذ الجمال، وأجابني في الرسائل الخاصة، فلا حاجة لي بتكرار ذكرها.

-في الكتاب هنات أسلوبية مربكة، فتجد بعض الاقتباسات ملتبسة بسرد المؤلف، وفي غير موضعٍ تسقط بعض الكلمات (حروف الجر والنصب ونحوها) فيقف القارئ لحظة قبل استيعاب المقصد، كما فيه كلمات زائدة في غير موضعها -نادر جدا، كالتأريخ بالقرن الثامن عشر الهجري في سياق الحديث عن سقوط الأندلس!-، أو كلمات كُتبت خطأ - أراد الأستاذ خالد أن يكتب: التاج السبكي، فجاءت العبارة: التاسع السبكي!، وهذا مثال فقط-، وهذا الأمر -الهنات الأسلوبية- عامته في الشق الثاني أيضا.

وأرى أن من تمام حق الكتاب وكمال زينته وحليته: العناية بهذا الأمر، وإخضاعه لتدقيق لغوي وكتابي وطباعي، حتى يخرج في حلة زاهية تليق بمكانته الرفيعة، وليس عندي مانع من تولي هذا الأمر، شريطة عدم الاستعجال والإلحاح، فالكتاب -بلا مبالغة- لبنة مهمة وقطعة جوهرية في بناء قــال الترجمات المعاصرة، وقد خرج من حيز المقالات الصحفية ليدلف إلى عالم المطبوعات، فمن حسن صيانته أن يُعامَل كأفضل ما تُعامَل الكتب، وهذا الكلام موجه لمن يُفترض به القيام على مراجعة الكتاب، فإن السلامة اللغوية والكتابية من حلية الكتب وزينتها الفاخرة، ودورها في وقوع الفكرة موقعها من النفوس لا يُنكر، وإن للتدقيق أمانة كما للتأليف أمانة.

ويكفيك أن الكاتبيْن علمان في سماء اللغة والتاريخ وشعلتان من نشاط وهمة وقادة في العلم والبحث، وأن في الكتاب ترجمات لأعلام هم بيننا اليوم، يغفل كثير منا عن النواحي المطروقة في الكتاب عن حياتهم وأفكارهم ومنجزاتهم.

ولن أقول إني وفيت الكتاب حقه في هذا المنشور، بل أقل القليل، وأدعو لقراءته والاستفادة منه، والنسج على منواله في أبواب شتى، وأشكر الأستاذ الدكتور خالد فهمي، والأستاذ الكريم أبي الحسن الجمال شكرا خالصا على سِفرهما الباذخ هذا!

المصدر : المصريون