الصديقي: النجاعة تنقص الاستثمار .. والبطالة تهدد الاستقرار
الصديقي: النجاعة تنقص الاستثمار .. والبطالة تهدد الاستقرار

تعتبر فعالية الاستثمار من القضايا المستعصية التي تشغل بال العديد من المسؤولين السياسيين وعلماء الاقتصاد على اختلاف اتجاهاتهم، إن لم تكن إشكالية محيرة!

وتتجلى هذه الاشكالية في كون المغرب يعتبر من بين البلدان التي تنجز أكبر معدل استثمار (قياسا مع الانتاج الداخلي الخام) دون أن يتمكن من بلوغ معدل نمو مرتفع، وبالتالي معالجة معضلة البطالة المتفشية.

ودون ادعاء تقديم جواب نهائي على هذا السؤال اللغز، سأحاول من اثنـاء هذه المقالة طرح بعض الفرضيات ووضع بعض مسالك التفكير، عسى أن تساعدنا على تسليط الأضواء من أجل تفكير معمق حول هذه الاشكالية.

وأمامنا ثلاثة مسالك سنحاول اتباعها.

المسلك الأول يتجلى في طبيعة الاستثمار العمومي. فكما نعلم، تهم هذه الاستثمارات التي تشكل حصة الأسد من الاستثمار الاجمالي مجال البنية التحتية. وبالتالي هي استثمارات تعتمد على استعمال رأس المال بصفة كثيفة وتوفر عددا محدودا من فرص الشغل.

وتكمن أهميتها في قدرتها على تحفيز الاستثمار – أساسا في القطاع الخاص- من اثنـاء المفاعيل الاستدراجية. وهذه الأخيرة لا تقوم إلا بعد مضي بعض من الوقت يحدده علماء الاقتصاد ما بين 4 و5 سنوات؛ ولذلك تعتبر الاستثمارات في مجال البنية التحتية استثمارات منتجة بصفة غير مباشرة.

أما المسلك الثاني فيدعونا إلى طرح مسألة "عقلنة النفقات"، سواء في القطاع العام أو في القطاع الخاص؛ إذ نلاحظ هنا وهناك مظاهر متعددة من تبذير الموارد وسوء استعمالها في شكل نفقات غير مجدية أو وهمية، وتسريبات غير مرئية، إلى غير ذلك من الاختلالات في التصرف في الأموال العمومية، ينضاف إليها عدم احترام آجال انجاز المشاريع، مما يترتب عنه غلاء تكاليف الاستثمار، ومن ثمة ضعف مردوديته ونجاعته.

ويعتبر مشروع الطريق السريعة بين تازة والحسيمة مثالا دالا على الآثار السلبية المترتبة عن تأخير الإنجاز؛ إذ ارتفعت تكلفة المشروع من 2.5 مليار درهم أثناء انطلاقه إلى 4 مليارات درهم اليوم! ولا أحد يدري كم ستكون التكلفة النهائية بعد إتمام إنجاز هذا المشروع. ناهيكم عن التكلفة الاجتماعية والسياسية.

المسلك الثالث والأخير يهم طبيعة القطاع الخاص ودوره في التنمية الاقتصادية؛ إذ بدون مشاركة هذا الأخير وانخراطه الإيجابي، يبقى دور الدولة محدودا في جميع الحالات. فالدولة لا يمكن لوحدها أن تقوم بكل شيء كما تدل على ذلك بعض التجارب التنموية. ويمكن القول، بكل موضوعية، إن القطاع الخاص، رغم تحسن مناخ الأعمال والتحفيزات التي يتمتع بها، لا يساير الدينامية التنموية التي تعرفها البلاد.

فهو مازال حبيس التصرفات المضارباتية والسعي وراء الربح السريع والسهل، وتنقصه الحماسة وروح المبادرة. وهذا لا يعني أن روح المقاولة منعدمة أو هامشية، بلا! فخلال العقود الأخيرة ظهرت أعداد متزايدة من المقاولين الشباب، خريجي المدارس العليا، متشبعين بروح المقاولة المبني أساسا على المجازفة والابتكار.

وهذه الشريحة، يمكن الاعتماد عليها حالا ومستقبلا لتدعيم لدينامية السوسيو اقتصادية، وتمكين المغرب من الانتقال إلى "رأسمالية السوق" بما تحمله هذه المقولة من دلالات فكرية وفلسفية وسياسية، نطام لا مكان فيه للامتيازات غير المبررة، والاحتكار الظاهر والمقنع وكل الممارسات التي تعيق المنافسة الشريفة والمساواة أمام القانون.

ومتى استطـاع المغرب من تحقيق هذا الانتقال، يمكن له آنذاك أن يدخل إلى نادي البلدان الصاعدة من بابه الواسع، وإيجاد الحلول الناجعة للإشكاليات الاجتماعية العظمى التي يواجهها، وعلى رأسها معضلة البطالة التي أضحت تشكل خطرا حقيقيا على استقرارنا الاجتماعي.

طبعا، الأمر يتطلب تظافر جهود الجميع وانخراط جميع الفاعلين في هذا الورش الحضاري، كل واحد حسب مهمته ووظيفته، وأن يقوم بذلك بإتقان وتفان وتغليب مصلحة البلاد على المصالح الضيقة، وهذا هو المعبر نحو تحقيق نجاعة الاستثمار.

*وزير التشغيل والشؤون الاجتماعية سابقا

المصدر : جريدة هسبريس