بوسريف يرثي الميموني .. شاعر ملتاع يسافر من الحبر إلى القبر
بوسريف يرثي الميموني .. شاعر ملتاع يسافر من الحبر إلى القبر

رحل الشاعر. لم يترك خلفه غير ما كتبه من شعر، وما عبر عنه من مواقف، وما به كان يرى الوجود ويقرأه. الشعراء ليسوا أصحاب ثراء وغنى، ولا هم كانوا في حياتهم يحيون بغير عادة الناس من حياة.

بل إنهم كانوا، وهذه طبيعة الشاعر الجدير باسمه، يحيون قلقين، متوترين، يرون بغير ما به يرى الناس العالم والكون والوجود. وهذا ما جعل طبيعته تكون طبيعة بالاختلاف، لا بالتوافق والتشابه.

ها هو محمد الميموني، يتركنا ويخرج من حبره إلى قبره، دون أن يعبأ بشيء، غير ما يليق به كشاعر من الشعراء المغاربة المؤسسين للشعر المعاصر، كما أوصى أخاه الشاعر أحمد بنميمون، وهو في لحظاته الأخيرة.

فمحمد الميموني، ظل يكتب بنفس الجراح، وبنفس المعاناة، وبنفس القلق، وكان الموت، بالنسبة له، مثل كل الشعراء، هو دخول في الأبد، وليس عدما انتهاء أو امحاء. وهذا ما وجد الشعر ليقوله لنا، وليدفعنا إليه.

في شعره، كان محمد الميموني يكتب بحرقة الشاعر الملتاع بمآسي الوطن، وبما يراه من ترد في القيم، في الحياة، وفي الكتابة ذاتها. كان يساريا ملتزما بفكر اليسار، وكان ملتزما بقيم العدل والنبل والمحبة والجمال والمساواة.

وكان شاعرا لا يتنازل عن مواقفه، وعن رؤيته للكون والوجود، كما كان مربيا، كان رجل تعليم، ومديرا، لكن الشاعر الملتزم بقضايا الوطن، كان هو من يقوده في كل شيء، حتى في مهامه التي كانت تبعده عن شعره لبعض الوقت.

كنت سألتقيه في الخريف الماضي في مدينة تطوان، لأجري معه حوارا، اتفقنا على كل شيء، لكنه، في آخر لحظة اعتذر، لأن وطأة المرض كانت اشتدت عليه، أجلنا الحوار إلى حين تعافي الشاعر.

ها هو الشاعر يرحل، وها أنذا أجد نفسي مقصرا مع صديق شاعر، خرج من حبره دون أن يخبرنا بذهابه، بل بغيابه، ولو أننا دائما نضع أيدينا على قلوبنا كلما علمنا بكبوة شاعر، لأن الشعر الذي بتنا نزدريه اليوم، لا نعرف أنه هو نبتة الأبد، لا غيره مما توهمناه، واعتبرناه أبدا.

فتحية لروح الشاعر. وتحية له هناك في أبده الذي هو أبد الباقين بما كتبوه وقالوه، لا بما هو زبد الحياة وسخفها، مما بات الجميع يصبو إليه من سلطة وجاه وثراء، وانغماس في الريع والغنيمة.

* شاعر مغربي

المصدر : جريدة هسبريس