حماة.. خاصرة رخوة للدولة السورية أم هجوم ساقط للفصائل الإرهابية؟
حماة.. خاصرة رخوة للدولة السورية أم هجوم ساقط للفصائل الإرهابية؟

تشن جبهة من الجماعات الإرهابية المندمجة فيما يُعرف باسم “هيئة تحرير الشام”، وفي مقدمتها ما يُسمى بـ”جبهة فتح الشام – جبهة النصرة” هجومًا كثيفًا على مدينة حماة السورية وريفها الشمالي. ونشرت وكالة “إباء” الإخبارية الناطقة بلسان الجماعة الإرهابية صورًا لزعيم النصرة والقائد العسكري العام للجبهة “أبو محمد الجولاني”، اثنـاء تواجده في غرفة عمليات “مركزية” للمعركة الكبرى التي أطلقت عليها الجبهة معركة “وقل اعملوا”؛ للسيطرة على ريف حماة الشمالي، وبات واضحًا أن أول وأهم أهدافها هو السيطرة على مطار حماة العسكري الواقع في الجهة الغربية للمدينة الواقعة تحت سيطرة الدولة السورية.

فيما تقود جبهة النصرة تحالفًا واسعًا من الفصائل الإرهابية في مقدمتها “حركة أحرار الشام” التي انضمت بثقلها إلى ميدان حماة بغرفة عمليات منفصلة تضم 5 فصائل مسلحة إلى جانبها، وهي “فيلق الشام” و”أجناد الشام” و”جيش النصر” و”جيش النخبة” و”الفرقة الوسطى” في معركة كبرى أخرى أطلقوا عليها اسم “صدى الشام”، ونجح الهجوم الواسع المدعوم بتعزيزات ضخمة، يمتد شريانها الرئيسي من محافظة إدلب شمال حماة، التي تسيطر عليها الفصائل المدعومة تركيًّا وأمريكيًّا، ويرتكز فيها قدر كثيف من الأفراد والأسلحة والمعدات، في السيطرة على حوالي 15 قرية وبلدة في محيط ريف حماة الشمالي، دافعة الجيش السوري إلى الانسحاب منهم تحت ضغط هجومي مكثّف.

يقوم الهجوم على مطار حماة العسكري ذي الأهمية الفائقة للفصائل على محورين: محور “السقيلبية – محردة – معرزاف” شمال غربي المطار، ومحور “كوكب – معردس – قمحانة” شمال شرقي المطار. وبحلول ذروة الهجوم تركزت المعارك في قرية “قمحانة”، التي تبعد 8 كيلو مترات عن حماة من ناحية الشمال وذات الأغلبية السكانية السنيّة المطلفة، وتَرافقَ ذلك مع وصول الفصائل إلى التخوم الملاصقة لبلدة “محردة” ذات الأغلبية السكانية المسيحية وأكبر تجمعات السكان السوريين المسيحيين في المحافـظة. ورغم كثافة الهجوم الذي استُخدمت فيه تشكيلة واسعة من الأسلحة الثقيلة والمتطورة، إلا أن وحدات الجيش استعادت حاجز “أبو عبيدة” المحوري شمال “محردة”، ولم تستطع الفصائل حتى اللحظة السيطرة على “قمحانة”، وإن أبقت على ضغط مكثف على محيطها، في الوقت الذي أعلِن فيه عن مقتل قيادي محلي في “هيئة تحرير الشام”، تبيّن أنه المدعو “نزار لطوف – أبو عهد”. وركّز الطيران السوري بالاشتراك مع نظيره الروسي ضرباته على خطوط الدعــم الكبيرة المقبلـة من إدلب شمالًا، وذلك بالتعاون مع المدفعية وراجمات الصواريخ؛ تمهيدًا لما سماه مصدر في الجيش العربي السوري “الهجوم المضاد” الذي سيُسقِط أهداف الحملة على حماة. وكانت الفصائل قد أحرزت تقدمًا كبيرًا في أول الهجوم، وعاد ذلك في جانب كبير منه إلى استخدامها لصواريخ “تاو” المتطورة المضادة للدروع التي عملت بفاعلية ضد دبابات الجيش العربي السوري، والتي كان الأمريكيون قد أعلنوا عن تزويدهم “المعارضة المعتدلة في إدلب وغيرها” بها منذ أكثر من عام، وفي إطار قطع الإمدادات عن الفصائل، هاجمـت الطائرات والمروحيات السورية هجومًا كثيفًا على مناطق في ريف إدلب الجنوبي، أبرزها مدينة “خان شَيخون” وفي “معرة النعمان” و”جسر الشغور” في ريف إدلب الغربي، وأفاد العديد من المشاهدات الميدانية والمتابعات الإلكترونية لصفحات ومواقع الفصائل الإرهابية وجود أعداد غفيرة من المقاتلين الأجانب، منهم ما يُطلق عليه “كتائب الإمام البخاري” وعناصرها من أوزبكستان، وهي أحد الفصائل التابعة لتنظيم القاعدة التنظيم الأم لجبهة النصرة، وأعداد من الأفغان والقوقاز.

وأفاد بيان للوكالة العربية السورية للأنباء “سانا” جاء نقلًا عن مصدر عسكري، صدر السبت الخامس والعشرين من مارس، أن وحدات الجيش أحبطت هجومًا تم باستخدام سيارتين مفخختين – وهو التكتيك المعروف للفصائل في افتتاح هجماتها – في بلدة “قمحانة”، وأن مجموعات من “جبهة النصرة” وحلفائها تسللت إلى بلدات “كوكب” و”معردس” و”خطاب” و”معرزاف”، وقامت بأعمال سلب ونهب، وأن وحدات الجيش استعادت بلدة “كوكب”، وانطلقت منها لتوسع نطاق تأمينها لريف حماة الشمالي على أكثر من اتجاه، في حين أسفرت عمليات الجيش عن مقتل أعداد كبيرة من إرهابيي “جبهة النصرة” وتدمير مبنـى قيادة ومستودعي أسلحة وذخيرة و4 دبابات و6 عربات مدرعة وأكثر من 9 عربات مزوّدة برشاشات.

بقراءة هذا الهجوم المشترك الكثيف، وربما غير المسبوق في تاريخ الحرب على سورية، وبالنظر إلى تفاصيله وحدوثه على تلك الجبهة بالتحديد، والتي تمتعت في كثير من الأوقات بهدوء نسبي إذا ما قورنت بباقي الجبهات، نجد أن أهدافه الرئيسية إلى جانب السيطرة على مطار حماة العسكري تتمثل في الإطار التالي بترتيب من العام إلى الخاص:

أولًا: استغلال وضع حماة الجغرافي المتاخم مباشرة من جهة الجنوب للمرتكز الضخم للفصائل في إدلب، والذي يضم اكثـر إمكاناتهم البشرية والعسكرية واللوجيستية، ومن المفهوم تمامًا أن تطلق الفصائل مشروعًا للاعتداء الكاسح الموحد على مدينة تحت سيطرة الدولة، انطلاقًا من مدينة تحت كامل سيطرتها، وما قد يترتب على نجاح هذا الهجوم من نتائج سياسية، سيأتي ذكرها في النقطة الأخيرة.

ثانيًا: كحد أدنى السيطرة على بلدة “قمحانة” التي ستفتح الباب بدورها للسيطرة على جبل زين العابدين الاستراتيجي المجاور لها بنحو 6 كيلو مترات، بما يكفل سيطرة “نارية” على قطاع من شمال مدينة حماة نفسها ومن الريف الشمالي الشرقي لها، وعلى قطاع من طريق “دمشق – حلب السورية” الدولي الشريان الرئيسي الواصل بين المحافظتين.

ثالثًا: الوصول جنوبًا إلى الفصائل الحليفة المسيطرة على جيب صغير جدًّا في ريف حمص الشمالي، وهو جيب محاصَر بالفعل. وهذا الهدف إما طموح جدًّا، أو انتحاري تمامًا، إذ يراهن على خوض الفصائل خطًّا طوليًّا، يقطع كتلة سيطرة الجيش العربي السوري، ويقسمها طوليًّا نحو الجنوب، وصولًا إلى شمالي حمص، ولكن ربما يستحق ذلك الهدف المغامرة، إذ سيمكن في هذه الحالة عزل طرطوس واللاذقية شرقًا عن باقي مناطق سيطرة الدولة في حماة وتوسيع دائرة سيطرة الفصائل في إدلب نحو الجنوب.

رابعًا: الوصول إلى إنجاز عسكري ميداني يحسّن من موقف الفصائل الحليفة المنخرطة في الجولة الخامسة من مفاوضات جنيف 5، التي تزامنت بدايتها بشكل كامل تقريبًا مع شن هذا الهجوم الكبير.

المصدر : البديل